فخر الدين الرازي
715
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
21 ] لتأنيث النفس لأنه لو قصدت الصيغة لقيل : رهين ، لأن فعيلا بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث ، وإنما هي اسم بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم ، كأنه قيل : كل نفس بما كسبت رهن ، ومنه بيت الحماسة : أبعد الذي بالنعف نعف كواكب * رهينة رمس ذي تراب وجندل كأنه قال : رهن رمس ، والمعنى كل نفس رهن بكسبها عند اللّه غير مفكوك إلا أصحاب اليمين ، فإنهم فكوا عن رقاب أنفسهم بسبب أعمالهم الحسنة ، كما يخلص الراهن رهنه بأداء الحق ، ثم ذكروا وجوها في أن أصحاب اليمين من هم ؟ أحدها : قال ابن عباس : هم المؤمنون وثانيها : قال الكلبي : هم الذين قال [ فيهم ] اللّه تعالى : « هؤلاء في الجنة ولا أبالي » وهم الذين كانوا على يمين آدم وثالثها : قال مقاتل : هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم لا يرتهنون بذنوبهم في النار ورابعها : قال علي بن أبي طالب عليه السلام وابن عمر : هم أطفال المسلمين ، قال الفراء : وهو أشبه بالصواب لوجهين : الأول : لأن الولدان لم يكتسبوا إثما يرتهنون به والثاني : أنه تعالى ذكر في وصفهم ، فقال : فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ [ المدثر : 40 - 42 ] وهذا إنما يليق بالولدان ، لأنهم لم يعرفوا الذنوب ، فسألوا ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ وخامسها : عن ابن عباس : هم الملائكة . [ سورة المدثر ( 74 ) : الآيات 40 إلى 41 ] فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ ( 40 ) عَنِ الْمُجْرِمِينَ ( 41 ) قوله تعالى : فِي جَنَّاتٍ أي هم في جنات لا يكتنه وصفها . ثم قال تعالى : يَتَساءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ وفيه وجهان الأول : أن تكون كلمة عن صلة زائدة ، والتقدير : يتساءلون المجرمين فيقولون لهم : ما سلككم في سقر ؟ فإنه يقال سألته كذا ، ويقال : سألته عن كذا الثاني : أن يكون المعنى أن أصحاب اليمين يسأل بعضهم بعضا عن أحوال المجرمين ، فإن قيل : فعلى هذا الوجه كان يجب أن يقولوا : ما سلكهم في سقر ؟ قلنا : أجاب صاحب « الكشاف » عنه فقال : المراد من هذا أن المسؤولين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين ، / فيقولون قلنا لهم : ما سلككم في سقر وفيه وجه آخر ، وهو أن يكون المراد أن أصحاب اليمين كانوا يتساءلون عن المجرمين أين هم ؟ فلما رأوهم قالوا لهم : ما سلككم في سقر والإضمارات كثيرة في القرآن . [ سورة المدثر ( 74 ) : الآيات 42 إلى 47 ] ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ( 42 ) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ( 43 ) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ( 44 ) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ ( 45 ) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ( 46 ) حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ ( 47 )